مسوغات إعادة تحقيق المخطوطات

ومسؤولية الناشرين



9/9/2009

شاع منذ الثلث الأخير من القرن العشرين نشر كتب تراثية بتحقيق جديد رخيص الثمن. وأخذ بعض الناشرين يتنافسون في ذلك للطلب عليها في السوق، فأضرت هذه المنافسة التجارية بخدمة العلم وبسمعة الناشرين عموماً، وعرضتهم لألسنة الباحثين الجادين، فخرجت إلى السوق كتب لأعلامٍ كبار حققها ناسٌ صغار، لا يرعون إلاًّ ولا ذِمّة، وشجعهم على ذلك ناشرون.

إن من العبث بمكان أن يعمد باحث دعيّ إلى مخطوطة محققة، يسيل لها لعابه، فيعيد تحقيقها من جديد، ويسيء إلى محققها الأصيل، طلباً لنفع مادي أو معنوي..

ومن هنا فعلى الناشر أن يتنبه إلى أي كتاب تراثي يُقدَّم إليه لدوره الأساسي في إصدار الكتب والترويج لها وإذاعتها بين الناس؛ فهو مسؤول أساسي كذلك إذا أخرج  للناس كتاباً يسيء فيه للمحقق الأول أو للعلم، وينال فيه من أصحاب الحقوق بطريقة ما.. ولو لم يجد المحقق الدعيّ من يعينه على افترائه، لما تجرأ على المساس بمخطوطة تَعِبَ عليها أصحابُها وسهروا.. ووظيفة الناشر حين تقدم إليه كتب التراث أن يُعمل فيها عين التفحص ليتحرى مواطن الإبداع في التحقيق أسلوباً وموضوعاً وإغناء.. وليس تقليداً مُخِلاً.. من أجل أن يرتقي بدار نشره ويحافظ على سمعة عالية، تجلب له من بعد ذلك الربح المأمول.  

على الناشر أن يتنبه - حين يقدم إليه كتاب تراثي - إلى دراسته، فيبحث في المظانّ عن وجود تحقيق سابق له، ويرى إن كان هذا الجديد يستحق النشر.. ولا مانع أن يستعين بالخبراء.

ولقد أشار النقاد من الباحثين والمحققين إلى أنه لا يجوز إعادة تحقيق أي كتاب إلا لأحد الأسباب الآتية:

1-ظهور نسخة خطية جديدة للكتاب تضيف جديداً؛ وقد رتب العلماء قيمة النسخ في أفضليتها وفق ما يأتي:

آ-نسخة بخط المؤلف.

ب-نسخة قرئت عليه.

ج-نسخة بخط تلميذ المؤلف.

د-نسخة بخط عالم معروف متخصص بموضوع المخطوطة.

هـ- نسخة أقرب زمناً إلى سنة وفاة المؤلف..

ثم تأتي بقية النسخ التي يعضد بعضها بعضاً، باعتبارات يعرفها أهل الخبرة.. وتحتها كلام طويل.

2-وجود ضعف مخلٍّ في التحقيق السابق بسبب عدم اختصاص المحقق أو إساءته.. أو وجود أخطاء فادحة أو نقص ظاهر.. وعندئذ فعلى المحقق اللاحق أن يبين المسوغات الموجبة لعمله الجديد على نحو واضح، يقيم فيه العذر لنفسه.

3-بعض الكتب المطبوعة قديماً في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين لم تكن تراعي- مع جودة مادتها وصحته- أصولَ التحقيق، ولا تبرز النسخ الخطية، فهذه تعد كالمخطوطات، فإذا أضيفت إليها النسخ الخطية الأخرى وجب تحقيقها التحقيق العلمي الأكاديمي.

وفيما عدا ما سبق يعدُّ ادعاءُ التحقيق الجديد سطواً مسلحاً بمسوغات مزيفة.

وبعد

فإن المكتب التنفيذي في اتحاد الناشرين سوف يقدم رصداً لظاهرة إعادة التحقيق التي تفشت مؤخراً، وسيعمل على تقييم أعمال التحقيق الجديدة، وسينبه على مواطن الخلل فيها.. ويهيب بالزملاء الناشرين تحري أي عمل تراثي يقدم إليهم.. للارتقاء بمهنة النشر إلى مستوى المسؤولية العلمية المطلوب.  



الدكتور نزار أباظة